السيد محمد حسين الطهراني

52

ولاية الفقيه في حكومة الإسلام

لاحظوا دقّة المطلب ، ففي الوقت الذي كان فيه أبو ذرّ يجلس مع سلمان ويتناولان الطعام معاً ، وعلى الرغم من رفاقتهما وإقامة عقد الاخوَّة بينهما ، لكن كان هناك تفاوت في الإدراك بينهما إلى درجة أنَّ أبا ذرّ لو اطّلع على مدركات سلمان لقتله أو لرآه مهدور الدم ، حيث سيري الشرك أو الكفر في عقيدته ! لأنَّ سلمان وصل إلى مرحلة من مراحل التوحيد لم يدركها أبو ذرّ بعد ، لأنَّ ذلك التوحيد في نظر أبي ذرّ عين عبادة الأصنام . وهذا يشبه المطالب الرائجة في أيّامنا هذه على الألسن من أنَّ فلاناً ممّن يقول بوحدة الوجود ، وأنَّه لا ينبغي لأحد أن يذكر وحدة الوجود ، وأنَّ العقيدة في وحدة الوجود كفر وشرك ! وحدة الوجود من أرقي أسرار آل محمّد عليهم السلام وحدة الوجود من أعظم وأعلى وأصعب وأدقّ مسائل الحكمة المتعالية ، وفهمها ليس يسيراً هيّناً ، فعلى الإنسان أن يجدّ ويكدّ طوال عمره علماً وعملًا . وهل سيفهمه الله أصل وحقيقة وحدة الوجود أو لا ؟ ! فهذا من الأسرار التي لا يمكن البوح بها لأيٍّ كان . لو قال إنسان آخر : الوجود واحد . فما ذا يفهم من هذا الكلام ؟ يقولون إنَّ معني هذا الكلام هو وجود واحد متحقّق لا غير ، إنّه وجود

--> أكْثَرُ ، فَكَيْفَ لَكَ أنْ تَقُومَ بِهَذَا الشُّكْرِ ؟ ! فَقَالَ أبُو ذَرٍّ : إلى اللهِ أتُوبُ وَأسْتَغْفِرُ اللهَ مِمَّا أحْدَثْتُ وَإلَيْكَ أعْتَذِرُ مِمَّا كَرِهْتَ . قَالَ : وَدَعَا سَلْمَانُ أبَا ذَرٍّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا ذَاتَ يَوْمٍ إلى ضِيَافَةٍ فَقَدَّمَ إلَيْهِ مِنْ جِرَابِهِ كِسَراً يَابِسَةً وَبَلَّهَا مِنْ رَكْوَتِهِ ؛ فَقَالَ أبُو ذَرٍّ : مَا أطْيَبَ هَذَا الخُبْزَ لَوْ كَانَ مَعَهُ مِلْحٌ ! فَقَامَ سَلْمَانُ وَخَرَجَ فَرَهَنَ رَكْوَتَهُ بِمِلْحٍ وَحَمَلَهُ إلَيْهِ . فَجَعَلَ أبُو ذَرٍّ يَأكُلُ ذَلِكَ الخُبْزَ وَيَذُرُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ المِلْحَ وَيَقُولُ : الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنَا هَذِهِ القَنَاعَةَ . فَقَالَ سَلْمَانُ : لَوْ كَانَتْ قَنَاعَةً لَمْ تَكُنْ رَكْوَتِي مَرْهُونَةً ! « عيون أخبار الرضا » ص 215 و 216 .